الرئيسية ‹ المقالات

مقال رأي

لماذا نركب المصعد؟ عن المخاطرة المحسوبة في الاستثمار

بقلم زكريا يحيى عبد الحسين مهدي · · قراءة 3 دقائق

لماذا نركب المصعد؟ عن المخاطرة المحسوبة في الاستثمار

تخيّل أنك تعمل في الطابق الأربعين من بناية تضمّ خمسين طابقاً. كل صباح تقف أمام قرار صغير: المصعد أم السلالم؟

من الممكن أن يتعطّل المصعد. لا أحد يضمن لك العكس. ولو سجنت نفسك في هذا الاحتمال لصعدت السلالم عمرك كله، وفي كل يوم تصل متأخراً ومنهكاً، بينما يصل غيرك قبلك بدقائق.

هذا بالضبط ما يفعله كثيرون بمالهم. في العراق بدأت 80% من الشركات الخاصة بمدخرات أصحابها، ومال كثير ما زال ينام في البيوت خوفاً من الخسارة. الخوف مفهوم، لكن له ثمن لا يظهر في أي حساب: سنوات ضائعة على السلالم.

وفي المقابل هناك من يقع في الخطأ المعاكس: يركب أي مصعد يُفتح بابه أمامه، دون أن يسأل متى فُحص ومن يصونه. وهذا من يخسر ماله في الفرص الوهمية.

المقال عن الطريق الثالث: أن تركب المصعد لأنك تعرف لماذا هو آمن.

لماذا لا نخاف من المصعد؟

نركب المصعد كل يوم لا لأن الأسلاك لا تنقطع، بل لأن المصعد مصمّم ليبقى آمناً حتى لو انقطع أحدها. المهندسون لم يلغوا الخطر، بل بنوا حوله طبقات من الحماية:

  • أكثر من سلك واحد: مصاعد الركاب الحديثة معلّقة بما لا يقل عن ثلاثة حبال فولاذية، وأغلبها من أربعة إلى ثمانية. وقد يكفي حبل واحد منها لحمل العربة بحمولتها الكاملة.
  • مكابح لا تنتظر أحداً: جهاز يسمّى «الحاكم» يراقب السرعة، وحين تتجاوز الحد يشغّل فكّين يقبضان على سكة المصعد ويوقفانه. هذه الفكرة قديمة، قدّمها إليشا أوتيس في القرن التاسع عشر، وهي ما جعل الناس يثقون بالمصاعد أصلاً.
  • فحص دوري: الحبال والمكابح تُفحص بانتظام، والمصعد الذي لا يُصان هو الذي يصبح خطراً.

النتيجة أن الناس في الولايات المتحدة وحدها يقومون بنحو 18 مليار رحلة مصعد في السنة، بمعدّل إصابة واحدة تقريباً لكل مليون رحلة، وأغلبها أثناء أعمال الصيانة لا للركاب.

وحين يقع حادث مصعد، كما حدث في بغداد أكثر من مرة، فالسؤال الصحيح ليس «هل نترك المصاعد؟» بل «أي طبقة من طبقات الأمان كانت غائبة؟». في الغالب لا يسقط المصعد المفحوص، بل يسقط المصعد الذي أُهمل فحصه.

وهذا هو الدرس الذي يهمّ المستثمر.

خمس طبقات أمان لاستثمارك

المستثمر الذكي يفعل ما فعله مهندسو المصاعد: لا ينتظر استثماراً بلا مخاطرة، بل يبني حول ماله طبقات تجعل الخسارة محتملة إن وقعت.

  1. شهادة الفحص قبل الركوب (التحقق): لا تدخل مشروعاً لا تعرف ترخيصه وأرقامه ومن يقف خلفه. المصعد الذي بلا شهادة فحص هو الفرصة التي بلا ترخيص.
  2. أكثر من سلك (التوزيع): لا تعلّق مالك كله على فرصة واحدة. إن انقطع سلك، تحملك الأسلاك الأخرى.
  3. مكابح الطوارئ (العقد المكتوب): العقد الذي يحدّد الحقوق وطريقة الخروج وحلّ الخلاف هو المكبح الذي يوقف السقوط قبل أن يبلغ القاع.
  4. طابقاً بعد طابق (الدخول على مراحل): ادفع على مراحل مرتبطة بأهداف يحققها المشروع، لا دفعة واحدة من الطابق الأرضي إلى السطح.
  5. مهندس الصيانة (مشورة أهل الخبرة): اعرض الفرصة على من يعرف القطاع ولا مصلحة له في دخولك. عين ثانية ترى ما لا تراه أنت.

النخبة الحقيقية

كثيراً ما يُقال إن النخبة هم من يجازفون. وهذا نصف الحقيقة. النخبة الحقيقية هم من يعرفون الفرق بين المصعد المفحوص والمصعد المهمل، فيركبون الأول بثقة ويتركون الثاني بلا تردد.

من يصعد السلالم خوفاً يخسر سنوات. ومن يركب أي مصعد دون أن يسأل قد يخسر كل شيء. أمّا من يتعلّم كيف تُبنى طبقات الأمان، فهو من يصل إلى الطابق الأربعين كل يوم، في وقته.

من هذه الفكرة قامت جمعية الميثاق الأعظم: لجان تقييم تمحّص الفرص قبل عرضها، وشراكات تحكمها قواعد مكتوبة، وأهل خبرة يُستشارون قبل القرار. الجمعية لا تلغي المخاطرة ولا تعد بأرباح، لكنها تبني طبقات الأمان التي تجعل الصعود ممكناً.

المصادر

قدّم طلب العضوية

اقرأ أيضاً