الرئيسية ‹ المقالات

مقال رأي

نصف مليون حلم واثنا عشر ألف قرض

بقلم زكريا يحيى عبد الحسين مهدي · · قراءة 3 دقائق

نصف مليون حلم واثنا عشر ألف قرض

حين أُعلنت مبادرة «ريادة» في آذار 2023، استبشرت بها كما استبشر كثيرون ممن يعملون في ريادة الأعمال. أخيراً بدت الدولة تقول للشباب: لا تنتظروا الوظيفة، ابنوا مشاريعكم ونحن معكم.

والشباب صدّقوا. نحو نصف مليون عراقي سجّلوا في المبادرة، بحسب مكتب رئيس الوزراء نفسه. هذا الرقم وحده يكفي ليثبت أن في العراق جيلاً كاملاً يريد أن يبني لا أن ينتظر.

لكن حتى آب 2025، وبالأرقام الرسمية ذاتها، كانت المبادرة قد منحت 12 ألف قرض. نصف مليون حلم، واثنا عشر ألف قرض. أي أن أقل من اثنين ونصف من كل مئة مسجّل وصل إلى التمويل. وحتى من أكملوا التدريب المطلوب، وهم 48 ألفاً، كان عدد القروض يعادل ربعهم فقط. وأول قرض صُرف بعد سنة كاملة من الإعلان.

أكتب هذا لا لأقلّل من جهد أحد. اثنا عشر ألف قرض واثنان وعشرون ألف وظيفة معلنة ليست صفراً. لكني أكتبه لأن المسافة بين الوعد والنتيجة لها ثمن، والذي يدفعه هو ثقة الروّاد الحقيقيين.

ريادة الأعمال ليست قرضاً مصرفياً

المبادرة في جوهرها قروض من مصرفي الرافدين والرشيد، بمنطق المصرف: وثائق ورقية في الفرع، وتأمين، ورسوم. القرض الذي يتجاوز 20 مليون دينار يتطلب دراسة جدوى تكلّف وحدها 3 ملايين دينار.

هذه أدوات تناسب دكّاناً قائماً يريد أن يتوسّع. لكنها لا تناسب المشروع الريادي الذي أعرفه من تجربتي: فكرة جديدة، ومخاطرة حقيقية، ونمو محتمل لا يظهر في أول سنة. هذا المشروع لا يحتاج قسطاً يبدأ بعد أشهر، بل يحتاج شريكاً يصبر عليه، ومرشداً يرافقه، وتمويلاً على مراحل.

حين نضع اسم «ريادة» على برنامج قروض، نربك الرائد الحقيقي، لأنه يتقدّم ظانّاً أن البرنامج صُمّم له، ثم يكتشف أنه صُمّم لغيره.

ما لا تقوله الأرقام

نعرف من الأرقام المعلنة كم شخصاً سجّل، وكم قرضاً صُرف، وكم وظيفة أُعلنت. لكننا لا نعرف كم مشروعاً ما زال يعمل بعد سنة، ولا كم منها نما، ولا ما معايير القبول والرفض، ولا أين يقف كل متقدّم في الدور.

وحين يغيب التوضيح الرسمي، يملأ الفراغ ما يُنشر في وسائل التواصل، حتى اضطرّت الجهات الرسمية إلى التحذير منه. المبادرة التي تتعامل مع نصف مليون إنسان تحتاج شفافية بحجمهم.

الثمن الحقيقي

الخسارة الأكبر ليست في من لم يحصل على قرض. الخسارة الأكبر في المبادرة القادمة. الشاب الذي أنفق أشهراً في التسجيل والتدريب والانتظار، ثم لم يحصل على شيء، لن يصدّق بسهولة أي برنامج حكومي بعد اليوم، حتى لو كان أفضل تصميماً.

ونحن في بلد تموّل فيه 80% من الشركات الخاصة نفسها من مدخرات أصحابها. كل تجربة مخيّبة تزيد قناعة الناس بأن الطريق الوحيد هو الاعتماد على النفس، وهذه أغلى كلفة يدفعها اقتصاد يريد أن يخرج من اعتماده على الوظيفة الحكومية.

ما أقترحه

  1. فصل المسارين: برنامج تشغيل للمشاريع الصغيرة التقليدية بمنطق القرض، ومسار آخر للمشاريع الريادية بأدوات تناسبها: منح مرحلية، وشراكة بالحصص، وضمانات جزئية.
  2. لوحة بيانات علنية شهرية: المتقدّمون، والمقبولون، وأسباب الرفض، ومدة كل مرحلة.
  3. قياس البقاء لا الصرف: نشر نسبة المشاريع العاملة بعد سنة وسنتين، ونسب السداد.
  4. شراكة مع القطاع الخاص: الحاضنات والمستثمرون والمرشدون أقدر من المصرف على التمييز بين المشاريع، وعلى مرافقتها بعد التمويل.
  5. وعد بحجم القدرة: إعلان عدد المقاعد في كل دفعة قبل فتح التسجيل، حتى يعرف كل متقدّم فرصته الحقيقية.

أكتب هذا لأنني أريد للمبادرة أن تنجح. فكرة دعم الروّاد صحيحة، ونصف المليون الذين سجّلوا لم يفعلوا ذلك عبثاً. يستحقّون مبادرة بحجم ثقتهم.

هذا المقال يعبّر عن رأيي الشخصي.

المصادر

قدّم طلب العضوية

اقرأ أيضاً