80% من مشاريعنا تموّل نفسها: أين ذهب المستثمرون؟

ثمانية من كل عشر شركات خاصة في العراق بدأت بمدخرات أصحابها. و 13% أخرى اقترضت من العائلة والأصدقاء. هذا ما يورده تقرير مجلس الأعمال العراقي البريطاني (IBBC) لعام 2024 عن بيئة الأعمال في العراق.
الرقم يعني أمرين في وقت واحد. الأول أن معظم المشاريع العراقية تنمو بقدر مدخرات صاحبها، لا بقدر فكرته. والثاني أن مال المستثمرين موجود، لكنه لا يجد طريقاً موثوقاً إلى هذه المشاريع.
فأين يتعثّر المال في طريقه؟
العقدة الأولى: البنوك بعيدة عن المشاريع الصغيرة
في عام 2020 لم يستخدم الخدمات المصرفية سوى 4% من المشاريع الصغيرة الرسمية و1% من غير الرسمية. ويستغرق قرار القرض نحو 33 يوماً، ويمتد من 6 إلى 12 شهراً للمشاريع المتوسطة، مع ضمانات مرتفعة تجعل كثيرين لا يتقدّمون أصلاً. والمصارف الحكومية تهيمن على القطاع، إذ لا تتجاوز حصة المصارف الخاصة نحو 20% من الأصول المصرفية.
والمنطقة كلها تعاني الشيء نفسه بدرجة أخف: في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تذهب 8% فقط من قروض البنوك إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مقابل 16% في الدول متوسطة الدخل و26% في الدول الغنية.
العقدة الثانية: الشراكة بلا حماية
حين لا يأتي المال من البنك، يأتي من شريك. لكن الشريك يسأل: ماذا لو اختلفنا؟ الدعوى التجارية في العراق تستغرق في المتوسط 320 يوماً وتكلّف 19% من قيمة المطالبة، و59% من الشركات تعدّ المحاكم عائقاً أمام أعمالها. لذلك يفضّل كثير من أصحاب المال أن يبقى مالهم معهم على أن يدخل شراكة لا يعرف كيف يخرج منها.
العقدة الثالثة: مشروع غير جاهز للمستثمر
المشروع الذي يبدأ من مدخرات صاحبه لا يحتاج إلى عقد شراكة ولا قوائم مالية ولا خطة نمو مكتوبة. فحين يأتي المستثمر، يجد مشروعاً ناجحاً ربما، لكن لا يستطيع أن يقيّمه. وفي اقتصاد ثلثا وظائفه غير رسمية (66.6% حسب مسح العمل لعام 2021)، تبقى معظم المشاريع خارج السجلات التي يعتمد عليها المستثمر.
العقدة الرابعة: المال يذهب حيث القنوات جاهزة
في أول تسعة أشهر من 2025، ذهب 91% من تمويل الشركات الناشئة في المنطقة إلى السعودية والإمارات وحدهما. السبب ليس أن الأفكار هناك أفضل، بل أن القنوات بين المال والمشاريع مبنية: صناديق ومسرّعات وقواعد واضحة. أما العراق فيكاد يغيب عن تقارير التمويل الإقليمية أصلاً.
ما الذي يغيّر المعادلة؟
العقد الأربع لا تُحلّ بمال إضافي، بل بما يجعل المال الموجود يثق بالطريق. وهذا دور مشترك بين الطرفين.
للروّاد:
- افصل حسابات المشروع عن حساباتك الشخصية من اليوم الأول.
- سجّل المشروع رسمياً حين يصبح له دخل منتظم، فالمستثمر لا يشتري حصة في ما لا وجود له على الورق.
- اكتب ما تحتاجه بالأرقام: كم تحتاج، ولماذا، وما الذي سيتغيّر بهذا المبلغ.
لأرباب المال:
- ادخل بمراحل بدل مبلغ واحد، مرتبطة بأهداف يمكن قياسها.
- اتفق مسبقاً على طريقة حل الخلاف والخروج من الشراكة، قبل أن تحتاج إليها.
- اطلب رأياً ثانياً من أهل الخبرة في القطاع قبل القرار.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للإقراض رفع تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى 5 تريليونات دينار بحلول 2029، لتغطية نحو 100 ألف مشروع. المشروع المنظّم اليوم سيكون الأقرب إلى هذا التمويل غداً.
أين تقف جمعية الميثاق الأعظم
تأسّست جمعية الميثاق الأعظم لتكون قناة من هذه القنوات المفقودة. مسار الروّاد يمنح أصحاب المشاريع إرشاداً من أصحاب الخبرة، ومساحات عمل في الحاضنة، وفرصة عرض المشروع على المجلس. ومسار أرباب المال يمنح المستثمرين فرصاً ممحّصة وشراكات تحكمها قواعد واضحة.
الجمعية لا تموّل المشاريع من مالها، ولا تجمع أموالاً من الجمهور، ولا تعد بأرباح. دورها أن يلتقي الطرفان على أرض موثوقة.
هذا المقال تحليلي وتوعوي، وليس استشارة مالية أو قانونية.
المصادر
- Is Iraq Business Ready? — Iraq Britain Business Council، كانون الأول 2024 (80%، 13%، 4%، 33 يوماً، 320 يوماً، 19%، 59%، حصة المصارف الخاصة)
- Entrepreneurship in the Arab World — مؤسسة فريدريش ناومان (8% مقابل 16% و 26%)
- ILO Iraq — منظمة العمل الدولية، أيار 2024 (66.6%)
- Inc. Arabia — بيانات MAGNiTT، تشرين الأول 2025 (91%)
- الاستراتيجية الوطنية للإقراض 2024–2029 — مركز البيدر (5 تريليونات دينار، 100 ألف مشروع)
ما ورد في هذا المقال للتوعية والتحليل، وليس استشارة مالية أو قانونية. والجمعية لا تجمع أموالاً من الجمهور ولا تعد بأرباح.
جمعية الميثاق الأعظم

